الرئيسية » مقالات علمية » مقالات في الفيزياء » لهذا السبب منحت جائزة نوبل في الفيزياء للعام 2018 في مجال فيزياء الليزر

لهذا السبب منحت جائزة نوبل في الفيزياء للعام 2018 في مجال فيزياء الليزر

لهذا السبب منحت جائزة نوبل في الفيزياء للعام 2018 في مجال فيزياء الليزر







من أهم وأرفع الجوائز في العالم للعلوم الطبيعية جائزة نوبل في الفيزياء. لقد غيرت الاكتشافات العديدة في مجال الفيزياء فهمنا للكون من اكتشاف الطاقة المظلمة إلى اكتشاف جسيم هيجز بوزون إلى أول رصد مباشر لأمواج الجاذبية. كما ان هناك اكتشافات اخرى مثل تطوير ضوء الليد LED الأزرق وغيرها. هذا العام منحت جائزة نوبل في الفيزياء لكل من آرثر اشكين Arthur Ashkin وجيرار مورو Gérard Morou ودونا ستريكلاند Donna Strickland لاختراعاتهم الرائدة في مجال فيزياء الليزر.

للوهلة الاولى، قد لا يبدو امر اختراعات في مجال الليزر امرا استثنائيا، لان الليزر شيء دخل حياتنا وأصبحنا معتادون عليه. لكن بالنظر عن قرب سوف نفهم ان تلك الاختراعات التي جاءت في مجال فيزياء الليزر تستحق جائزة نوبل بجدارة، وسوف نوضح في هذا المقال لماذا استحقوا جائزة نوبل لاختراعاتهم في مجال الليزر.

من السهل أخذ الليزر كأمر مسلم به لأن استخدامه أصبح في كل مكان. نعلم ان الضوء يمكن أن يكون عبارة عن موجة ولكن انتاج موجة من الضوء المترابط زمنيا (له نفس الطور)،  وأحادي اللون (له نفس الطول الموجي)، وله قدرة عالية هي بعض الأسباب التي جعلت ضوء الليزر مميزًا للغاية. تم استخدام الليزر في تجربة الـ LIGO لقياس التغيرات الصغيرة في المسافات المكانية عندما تمر موجة الجاذبية عبر الكرة الأرضية. ويستخدم ايضا  للاستشعار عن بعد في الغلاف الجوي، وقياس المسافة إلى القمر، ولإنشاء نجوم توجيه اصطناعية في علم الفلك.

لهذا السبب منحت جائزة نوبل في الفيزياء للعام 2018 في مجال فيزياء الليزر

تقنية Laser Guide Star Facility المستخدمة في دراسة الفلك هي أحد الأمثلة الرائعة لتقنية الليزر.

لكن الليزر يذهب إلى أبعد من كونه مجرد جهاز يستخدم للتطبيقات العلمية. انه يستخدم في عمليات التبريد بالليزر الذي مكن العلماء من الوصول إلى أدنى درجات حرارة تم التوصل اليها على الاطلاق، وذلك بحصر الذرات في حالات خاصة من المادة تعرف باسم تكاثف بوز-أينشتاين. والليزر (Bose-Einstein condensates) النبضي عنصر مهم في عمليات الاندماج بالتقييد او الحصر الذاتي وهي احدى الطريقتين التي تمكن فيها الإنسان من تطوير اندماج نووي على الأرض.

هناك التطبيقات الحربية ايضا مثل الاستهداف بواسطة الليزر والمستخدم في التطبيقات الطبية في جراحة العين وعلاج السرطان، وكذلك التطبيقات الصناعية مثل النحت واللحام والحفر بالليزر. حتى قارئ الباركود في المحلات التجارية يستخدم اشعة الليزر.

لهذا السبب منحت جائزة نوبل في الفيزياء للعام 2018 في مجال فيزياء الليزر

من خلال ضخ الإلكترونات إلى مستويات مثارة ومن ثم استحثاثهم بفوتون له طول موجي محدد يمكن الحصول فوتون آخر له نفس الطاقة والطول الموجي. هذا هو أساس فكرة انتاج الليزر والتي وضع فكرتها النظرية العالم آينشتين.

لا تزال فكرة الليزر بحد ذاتها جديدة، على الرغم من مدى انتشارها. اخترع الليزر لأول مرة في عام 1958. وكلمة ليزر هي اختصار لتكبير الضوء بواسطة الانبعاث المستحث للإشعاع اي Light Amplification by Stimulated Emission of Radiation، وان تطرقنا بعمق إلى فكرة  انتاج الليزر لوجدنا انه لا يجري أي نوع من التكبير! ان ما يتم هو الاستفادة من بنية المادة التي تحتوي على نويات ذرية ومستويات طاقة تسكن فيها الالكترونات. ففي الجزيئات والبلورات وكل الهياكل المادية نجد ان الفواصل بين مستويات الطاقة هي التي تحدد أي الانتقالات مسموحا به.

يعمل الليزر من خلال تذبذب الإلكترونات بين مستويين طاقة مسموح بهما، مما يؤدي إلى إطلاق فوتونات ذات طاقة خاصة جدًا عندما تنتقل الالكترونات من حالة الطاقة الأعلى إلى الحالة الأدنى. هذه التذبذبات هي التي تسبب انبعاث الضوء، ونحن نسميها الليزر، وربما اسم لوزر Loser سيكون أنسب لوصف ما يحدث في الليزر لأنها تمثل جملة تذبذب الضوء عن طريق الانبعاث المستحث للإشعاع أي Light Oscillation by Stimulated Emission of Radiation لكن لا أحد يرغب في ان يطلق اسم لوزر أي الخاسر على جهاز له من الفوائد الكثير لذلك استبدلت كلمة Oscillation بكلمة Amplification للوصول لكلمة اجمل وهي الليزر.

منذ اختراع الليزر لأول مرة، كان هناك عدد من الطرق التي ابتكرتها البشرية لجعل الليزر أفضل. من خلال إيجاد مواد مختلفة تمكّنك من إجراء انتقالات إلكترونية بطاقات مختلفة، أي يمكن الحصول على أشعة الليزر بمجموعة كبيرة من الأطوال الموجية المحددة.

لكن الأكثر اهمية من الطول الموجي والطاقة التي تنتجها أجهزة الليزر يأتي موضوع التحكم. اذا استطعت التحكم بخواص الليزر فإنك سوف تفتح عالم بكامله من الإمكانيات لفحص ومعالجة المواد والظواهر الفيزيائية في الكون. ومن هنا جاءت جائزة نوبل في الفيزياء لهذا العام 2018.




إذا كان بالإمكان التحكم في المجالات الكهربية والمغناطيسية الناشئة عن هذا الضوء، عن طريق التحكم في اتجاها ومقدارها في منطقة معينة في الفضاء، يمكنك عندئذ معالجة  هذه المادة عند ذلك المنطقة. إن القدرة على إجراء هذه المعالجة كانت تتجسد في تكنولوجيا الخيال العلمي. وفي هذا العام، منحت نصف جائزة نوبل إلى تطوير ملاقط بصرية، وهي تمثل النسخة الفعلية لتحويل الخيال العلمي إلى حقيقة عملية.

اخترع آرثر آشكين Arthur Ashkin، الحاصل على نصف جائزة نوبل لعام 2018، أداة تعرف باسم ملاقط بصرية (optical tweezers). من خلال تطبيق أشعة الليزر بترتيب محدد، يمكن دفع الأجسام المادية، من الجزيئات الصغيرة إلى البكتيريا وتحريكها. والطريقة التي تعمل بها هذه الملقاط البصري هي دفع جسيمات صغيرة باتجاه مركز شعاع الليزر وتثبيتها هناك. الأمر هنا لا يتعلق بمستويات عالية من الطاقة؛ بل ان الأمر يتعلق بمستويات عالية من التحكم الدقيق والسيطرة المتقنة.

من خلال تعديل طفيف على خصائص الليزر المستخدم هنا، يمكن توجيه الجسيمات المثبتة بطرق محددة. جاء الابتكار العلمي الكبير في عام 1987 وهو الذي أدى إلى استحقاق أشكين جائزة نوبل من أشكين، عندما استخدم تقنية الملقط الضوئي لالتقاط البكتيريا الحية دون إلحاق أي ضرر بها. منذ هذا الابتكار استخدمت تلك الملاقط الضوئية لدراسة النظم البيولوجية، على مقياس الخلية واصغر منها.

في بعض الأحيان، فإن الشيء الذي تريد التحكم فيه ليس المجال الكهربائي والمغناطيسي، بل الطاقة وتردد نبضات الليزر. نحن نفكر في ضوء الليزر على أنه ضوء مستمر، ولكن هذا ليس بالضرورة دائمًا. في حين أن، هناك خيار آخر هو الحصول على ضوء الليزر في صورة نبضات قصيرة من الطاقة، اما بشكل نبضة واحدة أو نبضات متكررة بترددات عالية.

يتمثل الخطر الأساسي في بناء نبضة ذات طاقة كبيرة في اقل زمن ممكن مثل تلك المستخدمة في تجارب الاندماج بالقصور الذاتي، هو تدمير المادة المستخدمة في تكبير الضوء. ان القدرة على إصدار نبضة قصيرة ذات طاقة عالية يعد من  الاهداف الكبيرة في مجال فيزياء الليزر التي تفتح آفاق جديدة وتطبيقات متعددة.

هذه هي النقطة التي استحق عليها الفائزون بالنصف الآخر من جائزة نوبل لعام 2018 – جيرار مورو (Gérard Mourou) ودونا ستريكلاند (Donna Strickland). في عام 1985، نشروا مقالا معا حيث قاموا بالتفصيل بالضبط كيف قاموا بإنشاء نبضة ليزر فائقة قصيرة وعالية الكثافة بطريقة متكررة. لم تصب مواد التضخيم المستخدمة بأي أذى. كانت التجهيزات بسيطة من حيث المبدأ  الإعداد الأساسي أربعة بسيطة ، من حيث المبدأ، لكنها تتطلب مهارة فائقة وهذه هي الخطوات العلمية التي اجرياها:

  • في البداية قاما بإنتاج نبضة ليزر عادية.
  • قاما بعد ذلك بتمديد النبضة في الزمن وهذا قلل طاقتها القصوى وجعلها اقل خطورة على مادة انتاج الليزر.
  • بعد ذلك قاما بتكبير زمن النبضة اكثر وقللا طاقة نبضاتها مما سمح لمادة توليد الليزر الاستمرار في عملية التكبير.
  • وفي النهاية قاما بضغط النبضة الجديدة  في الزمن.

من خلال جعل النبضة قصيرة زمنيا فإن هذا يكدس المزيد من الفوتونات الضوئية في نفس المكان ويؤدي إلى زيادة هائلة في شدة النبضة.

عرفت هذه التقنية الجديدة، باسم chirped pulse amplification  والتي وضعت المعيار الجديد للليزرات عالية الكثافة. تستخدم هذه التقنية في يومنا هذا في ملايين عمليات جراحة العين التصحيحية. وهناك المزيد من التطبيقات التي يتم اكتشافها في المجالات والصناعات. والجدير بالذكر أنه هذه التقنية مكنت من الوصول إلى طاقات تصل إلى الزيتا وات اي 1029W/cm2 وهذه طاقة كافية لإنتاج أزواج إلكترون وبوزيترون في الفراغ نفسه.

لهذا السبب منحت جائزة نوبل في الفيزياء للعام 2018 في مجال فيزياء الليزر

بداية بنبضة ليزر منخفضة الطاقة، ثم تمديدها في الزمن وتقليل طاقتها ثم تضخيمها دون الإضرار بمادة المكبر، وبعد ذلك ضغطها مرة اخرى للحصول على نبضة عالية الطاقة تمتد لفترة زمنية قصيرة لم يكن بالإمكان الوصول لها من قبل. اننا الان ننتقل من عصر الفمتوثانية إلى الاتوثانية (10-18 ثانية).

لهذا السبب منحت جائزة نوبل في الفيزياء للعام 2018 في مجال فيزياء الليزر

الحائزون على جائزة نوبل عام 2018 في الفيزياء، جنبا إلى جنب مع حصصهم من الجائزة، لأعمالهم المبتكرة في فيزياء الليزر.

ما إذا كان بحثك سيفوز بجائزة نوبل – أو حتى سيكون ناجحًا – هي مسألة توفيق من الله عز وجل. ولكن مكافأة أولئك الذين يقومون بعمل مبدع، ويؤدي إلى تطوير التطبيقات التكنولوجية التي تخدم الإنسانية هو ما تدور حوله جائزة نوبل لهذا العام. لنحتفل نحن الفيزيائيين وخاصة المتخصصين في مجال فيزياء الليزر ونهنئ آشكين ومورو وستريكلاند على نيل جائزة نوبل عام 2018 في الفيزياء!




تعليقات

تعليقات

عن الدكتور حازم فلاح سكيك

د. حازم فلاح سكيك استاذ الفيزياء المشارك في قسم الفيزياء في جامعة الازهر - غزة | مؤسس شبكة الفيزياء التعليمية | واكاديمية الفيزياء للتعليم الالكتروني | ومنتدى الفيزياء التعليمي | ومركز الترجمة العلمي | وقناة الفيزياء التعليمي على اليوتيوب | ورئيس تحرير مجلة الفيزياء العصرية | Email skhazem@gmail.com

تفضل بزيارة صفحتي
تصفح كل مقالاتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.