page contents
مقالات في الفيزياء

لماذا من الصعب اثبات ان أينشتاين مخطئا .. كيف يكون استبدال النظريات العلمية؟

لماذا من الصعب اثبات ان أينشتاين مخطئا .. كيف يكون استبدال النظريات العلمية؟




من أحد فوائد ان تكون فيزيائيا هو ان تتلقى كل فترة وأخرى بريدا الكترونيا لشخص ما يدعى انه اثبت ان أينشتاين على خطأ. هذه الرسائل اما ان لا تحتوي على أي معادلات رياضية وتستخدم عبارات مثل انه من الواضح ان ….، أو ان تحتوي على صفحات وصفحات من المعادلات المعقدة مرفقة بالعديد من المصطلحات العلمية المستخدمة بطرق غير تقليدية. كل هذه الرسائل مصيرها الاهمال في اغلب الأحيان ليس لعدم الاهتمام بالنظريات الجديدة انما بسبب عدم إدراك كيف تستبدل النظريات. في هذا الموضوع سوف نلقى الضوء على الأسس العلمية المتبعة لاستبدال النظريات بنظريات احدث وما هي الشروط التي عندها نستطيع ان نقوم ان النظرية الجديدة قد اثبتت ان النظرية القديمة خاطئة.

على سبيل المثال في أواخر القرن الثامن عشر كانت هناك نظرية حول الحرارة تعرف بالكالوريك أو المائع الحراري. الفكرة الأساسية للكلوريك هو انه مائع يوجد داخل المواد. هذا المائع يمتلك خاصية الطرد الذاتي بمعنى انه يحاول الانتشار بقدر الإمكان. لا يمكننا ان نرى هذا المائع بطريقة مباشرة ولكنه اعتقد ان كلما احتوت المادة على كلوريك أكثر كلما كانت درجة حرارتها اعلى.

 

من هذه النظرية يمكننا الحصول على العديد من التوقعات التي تحققت بالفعل. حيث انه لا يمكن انتاج او افناء الكلوريك فان الحرارة (الطاقة) تكون محفوظة. إذا وضعت جسم بارد بجوار جسم ساخن فان الكالوريك في الجسم الساخن سوف ينتشر إلى الجسم البارد حتى يصل الجسمين إلى نفس درجة الحرارة. عندما يتمدد الهواء فان الكلوريك ينتشر أكثر، وبالتالي تنخفض درجة الحرارة. عندما ينضغط الهواء نحصل على المزيد من الكالوريك في الحجم، وبالتالي ترتفع درجة الحرارة.

 

الان نحن نعرف انه لا يوجد هناك ما يسمى بالمائع الحراري الذي عرف سابقا بالكالوريك. الحرارة هي خاصية من خواص حركة (الطاقة الحركية) الذرات او الجزيئات في المواد. لذلك أسقط الفيزيائيون نموذج الكالوريك واستبدلوه بالنظرية الحركية. والان نستطيع ان نقول ان نموذج الكلوريك خاطئ بالكامل.

 

الافتراض الأساسي للمائع الحراري لا يتطابق مع الحقيقة، ولكن النموذج له توقعات كانت صحيحة. في الحقيقة نموذج الكالوريك متحقق الان كما لو كان في أواخر القرن الثامن عشر. الا اننا لا نستخدمه على الاطلاق لان لدينا الان نماذج أحدث تعمل بشكل أفضل. النظرية الحركية تحقق كل توقعات الكلوريك وأكثر. النظرية الحركية تشرح كيف ان الطاقة الحرارية للمادة يمكن ان تقرب كمائع.

هذا هو الجانب الأساسي في النظريات العلمية. إذا اردت ان تستبدل نظرية علمية بنظرية جديدة فان النظرية الجديدة يجب ان تكون قادرة على ان تقدم أكثر من النظرية القديمة. عندما تستبدل النظرية القديمة فان عليك ان تدرك حدود تلك النظرية وكيف تنتقل لما بعد هذه الحدود.

 

في بعض الحالات عندما تستبدل نظرية قديمة بنظرية حديثة نستمر في استخدام النظرية القديمة. ومن أحد هذه الحالات قانون نيوتن للجذب العام. عندما افترض العالم نيوتن نظريته حول الجاذبية العامة في القرن السابع عشر وصف الجاذبية على انها قوى جذب بين كل الكتل. هذا أتاح لتوقع صحيح لحركة الكواكب واكتشاف كوكب نيبتون والعلاقة الأساسية بين كتلة النجم ودرجة حرارته وغير ذلك. جاذبية نيوتن كانت نظرية علمية راسخة.




 

ولكن بعد ذلك وفي مطلق القرن العشرين افترض العالم أينشتاين نموذجا مختلفا عرف باسم النسبية العامة. الافتراض الأساسي لهذه النظرية هو ان الجاذبية هي بسبب تحدب المكان والزمان بواسطة الكتل. حتى مع ان نموذج جاذبية أينشتاين يختلف عن نموذج نيوتن بشكل كبير الا ان المعالجة الرياضية للنظرية توضح ان معادلات نيوتن هي حلول تقريبية لمعادلات أينشتاين. كل شيء توقعته نظرية نيوتن للجاذبية توقعه نموذج أينشتاين أيضا. ولكن أينشتاين أيضا من خلال نموذج وضع تصور صحيح لنموذج الثقوب السوداء والانفجار العظيم والحركة البدارية (precession motion) لكوكب عطارد والتأخير الزمني والكثير والتي اثبتت كلها عمليا أيضا.

 

لذلك استبدلت نظرية أينشتاين نظرية نيوتن. لكن نظرية أينشتاين أكثر تعقيدا عند التعامل معها من نظرية نيوتن ولذلك في اغلب الأحيان نستخدم معادلات نيوتن لحساب الأشياء. على سبيل المثال حركة الأقمار الصناعية. إذا لم نكن بحاجة إلى الدقة البالغة التي توفرها نظرية أينشتاين فإننا ببساطة نستخدم معادلات نيوتن للحصول على إجابة مقبولة بشكل جيد. “ربما نكون أثبتنا ان نظرية نيوتن خاطئة لكن النظرية لا تزال مفيدة ودقيقة إلى حد ما كما كانت من قبل.

 

الان، نظرية الجاذبية لأينشتاين لا يمكن ان نثبت انها خاطئة بشكل نظري. انما يتطلب الامر اثباتها خطأ بدليل عملي يوضح ان توقعات النظرية النسبية العامة لا تتحقق. في الحقيقة لم تستبدل نظرية أينشتاين نظرية نيوتن الا بعد ان توفرت الأدلة العملية التي تتفق مع نموذج أينشتاين ولم تتفق مع نموذج نيوتن. لذلك طالما لم تمتلك دليلا عمليا يشير بوضوح إلى تناقض مع النظرية النسبية فان اي شخص يدعي انه اثبت ان نظرية أينشتاين خاطئة سوف لن تلقى اذان صاغية.

 

الطريقة الأخرى لإثبات نظرية أينشتاين خاطئة هو تطوير نظرية جديدة تكون فيها نظرية أينشتاين هي تقريب للنظرية الجديدة كما حدث مع نظرية نيوتن، او اجتياز التجارب العملية التي حققتها النظرية النسبية العامة. بشكل مثالي النظرية الجديدة التي تفكر بوضعها سوف يكون لها توقعات جديدة يمكن ان تخضع للفحص العملي بطريقة مناسبة. إذا تمكنت من القيام بذلك يمكنك ان تطرح افكارك بوضوح وسوف تجد من ينصت باهتمام. نظرية الاوتار ونظرية التدهور الحتمي هي امثلة لنماذج تحاول ان تقوم تماما بما ذكرت.

لكن حتى إذا نجح أحد في ابتكار نظرية أفضل من نظرية أينشتاين (وكان متأكدا تماما من ذلك) فان نظرية أينشتاين سوف تبقى متحققة كما كانت. 

مع خالص تحياتي

د. حازم فلاح سكيك

www.hazemsakeek.net




تعليقات

تعليقات

الوسوم

الدكتور حازم فلاح سكيك

د. حازم فلاح سكيك استاذ الفيزياء المشارك في قسم الفيزياء في جامعة الازهر - غزة | مؤسس شبكة الفيزياء التعليمية | واكاديمية الفيزياء للتعليم الالكتروني | ومنتدى الفيزياء التعليمي | ومركز الترجمة العلمي | وقناة الفيزياء التعليمي على اليوتيوب | ورئيس تحرير مجلة الفيزياء العصرية | Email skhazem@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق